ابن فارض
52
ديوان ابن فارض
وكلّ الذي ترضاه والموت دونه به أنا راض والصبابة أرضت ونفسي لم تجزع ، بإتلافها أسى ، ولو جزعت كانت بغيري تأسّت « 1 » وفي كلّ حيّ كلّ حيّ كميّت بها ، عنده قتل الهوى خير موتة تجمّعت الأهواء فيها ، فما ترى بها غير صبّ ، لا يرى غير صبوة « 2 » إذا سفرت في يوم عيد تزاحمت على حسنها أبصار كلّ قبيلة فأرواحهم تصبو لمعنى جمالها ، وأحداقهم من حسنها في حديقة « 3 » وعندي عيدي ، كلّ يوم أرى به ، جمال محيّاها ، بعين قريرة وكلّ اللَّيالي ليلة القدر ، إن دنت كما كلّ أيّام اللَّقا يوم جمعة « 4 » وسعيي لها حجّ ، به كلّ وقفة ، على بابها ، قد عادلت كلّ وقفة « 5 » وأيّ بلاد الله حلَّت بها ، فما أراها ، وفي عيني حلت ، غير مكَّة وأيّ مكان ضمّها حرم ، كذا أرى كل دار أوطنت دار هجرة وما سكنته فهو بيت مقدّس ، بقرّة عيني فيه ، أحشاي قرّت « 6 » ومسجدي الأقصى مساحب بردها وطيبي ثرى أرض ، عليها تمشّت « 7 » مواطن أفراحي ، ومربى مآربي ، وأطوار أوطاري ، ومأمن خيفتي « 8 » مغان ، بها لم يدخل الدّهر بيننا ، ولا كادنا صرف الزّمان بفرقة « 9 »
--> « 1 » لم تجزع : لم تخف . الإتلاف : الموت . تأست : تعزت . « 2 » الأهواء : الأغراض . الصبّ : الشديد العشق والصبوة : حبّ الشباب . « 3 » تصبو : تنظر . الأحداق : المقل . « 4 » المعنى أنه ينتظر لقياها في كل ليلة كما ينتظر المؤمنون لقاء ليلة القدر في كل عام . « 5 » السعي والوقفة : من اعمال الحج والمقصود أن الوقوف على بابها يعادل الوقوف على جبل عرفات . « 6 » أحشاي : احشائي . قرّت : هدأت واطمأنت . « 7 » مساحب بردها : أطراف ثوبها . « 8 » المواطن : المساكن . المآرب : الغايات . الأوطار : الحاجات . « 9 » المغاني : الحجرات . كادنا : أصابنا بمكيدة . صرف الزمان : كيده .